العلامة المجلسي ( تعريب : ميلاني )
34
عين الحياة
فانّه مخصوص بالأنبياء والأوصياء عليهم السّلام مما لا يناله أبو ذر رحمه اللّه ، فأوصاه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالعبادة وكأنّه قد وصل إلى تلك الرتبة السامية ، كما انّ الرؤية في قوله : « فان كنت لا تراه فانّه يراك » بنفس المعنى ، لأنّ اللّه تعالى لا يبصر بالعين حيث لا جوارح له . وليعلم انّ العبادة عبارة عن منتهى الخشوع والتذلّل والانكسار ، فلذا لا تصح أمام غير المعبود الحقيقي الذي وهب الحياة والوجود ، وجميع النعم والكمالات ، لأنّ الخدمة والعبادة لا بدّ وأن تكون بمستوى المعبود والمخدوم ، فكلّما كان المخدوم عظيما ، كانت خدمته أشقّ وأصعب ، كما أقرّ أشرف المكنونات بعجزه حيث قال : « ما عبدناك حق عبادتك » « 1 » . وانّ أعلى مراتب العبادة الاقرار بالعجز عن أداء حقّها ، وإن لاقى من جرائها نصبا ، ولمّا علم اللّه تعالى انّ عقول الناس قاصرة عن ادراك عبادته وكيفيّتها ، لم يكلّفهم حتّى علّمهم آدابها ورسومها ، وجعل بعضهم محلّ اسراره تلطّفا منه وعصمهم من الذنوب ، وأوصلهم إلى الغاية القصوى من العلم والعمل ، وعلّمهم لسان المناجاة والمكالمة معه ، ثمّ أرسلهم لتعليم الناس كما لو أدخل رجل غريب لا يعرف شيئا من الرسوم والآداب على ملك ولم يكن معه من يعلّمه آداب الحضور عند الملك ، فصدرت عنه أعمال لا تليق فانّه غير ملوم . فكيف يمكن الوصول إلى ساحة القرب من ملك الملوك دون اتباع المنهاج النبوي ، وذلك بافتعال عبادات خرافية أو ناقصة ، فلو أضيء بصرك بنور الايمان ، وتفكّرت في دقائق الآداب التي قرّرت في كلّ عبادة ، لعلمت انّ الوصول
--> ( 1 ) البحار 8 : 215 ح 205 باب 23 .